محمد بن جرير الطبري

3

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فقال : وإن كانوا ، ولم يقل : وإن كان ، وهو لمن ، فرده على المعنى . وأما أهل الكوفة ، فقرأت ذلك عامة قرائها : " ويعمل " بالياء عطفا على يقنت ، إذ كان الجميع على قراءة الياء . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ، ولغتان معروفتان في كلام العرب ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ؛ وذلك أن العرب ترد خبر " من " أحيانا على لفظها ، فتوحد وتذكر ، وأحيانا على معناها كما قال جل ثناؤه : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ فجمع مرة للمعنى ، ووحد أخرى للفظ . القول في تأويل قوله تعالى : يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ . . . وَلا تَبَرَّجْنَ . . . لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ يقول تعالى ذكره لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ من نساء هذه الأمة إِنِ اتَّقَيْتُنَّ الله فأطعتنه فيما أمركن ونهاكن ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ يعني من نساء هذه الأمة . وقوله : فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ يقول : فلا تلن بالقول للرجال فيما يبتغيه أهل الفاحشة منكن . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ يقول : لا ترخصن بالقول ، ولا تخضعن بالكلام . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ قال : خضع القول ما يكره من قول النساء للرجال مما يدخل في قلوب الرجال . وقوله : فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ يقول : فيطمع الذي في قلبه ضعف ؛ فهو لضعف إيمانه في قلبه ، إما شاك في الإسلام منافق ، فهو لذلك من أمره يستخف بحدود الله ، وإما متهاون بإتيان الفواحش . وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : إنما وصفه بأن في قلبه مرضا ، لأنه منافق . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ قال : نفاق . وقال آخرون : بل وصفه بذلك لأنهم يشتهون إتيان الفواحش . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ قال : قال عكرمة : شهوة الزنا . وقوله : وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً يقول : وقلن قولا قد أذن الله لكم به وأباحه . كما : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً قال : قولا جميلا حسنا معروفا في الخير . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ فقرأته عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين : وَقَرْنَ بفتح القاف ، بمعنى : واقررن في بيوتكن ، وكأن من قرأ ذلك كذلك حذف الراء الأولى من اقررن ، وهي مفتوحة ، ثم نقلها إلى القاف ، كما قيل : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وهو يريد فظللتم ، فأسقطت اللام الأولى . وهي مكسورة ، ثم نقلت كسرتها إلى الظاء . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة : " وقرن " بكسر القاف ، بمعنى : كن أهل وقار وسكينة فِي بُيُوتِكُنَّ . وهذه القراءة وهي الكسر في القاف أولى عندنا بالصواب ، لأن ذلك إن كان من الوقار على ما اخترنا ، فلا شك أن القراءة بكسر القاف ، لأنه يقال : وقر فلان في منزله فهو يقر وقورا ، فتكسر القاف في تفعل ؛ فإذا أمر منه قيل : قر ، كما يقال من وزن : يزن زن ، ومن وعد : يعد عد . وإن